يستعرض أندرو ليبر وسام ووربي ملامح المرحلة المقبلة لدول الخليج في ظل تداعيات الحرب مع إيران، ويطرحان ثلاث رؤى محتملة تتراوح بين التفاؤل والحذر. تنطلق القراءة من واقع هدنة هشة بين واشنطن وطهران، حيث تسعى دول الخليج لإظهار تماسكها وقوتها، رغم أن التحديات الأمنية ما تزال تضغط بقوة على استقرارها.
يكشف التحليل الذي نشرته مؤسسة كارنيجي أن دول مجلس التعاون الخليجي تواجه بيئة معقدة رغم هدوء نسبي. لم تنجح الضربات العسكرية في كبح قدرة إيران على التأثير في الخليج، كما بقي مضيق هرمز ورقة ضغط حساسة دون حل حاسم. في الوقت نفسه، تغيب دول الخليج عن طاولة المفاوضات التي ترسم مستقبلها الأمني والاقتصادي، ما يضعها أمام اختبار استراتيجي صعب.
نحو تعاون خليجي أعمق
يدفع الواقع الأمني الجديد بعض النخب الخليجية إلى التفكير في تعزيز التعاون المشترك. تفرض الحرب ضغوطًا غير مسبوقة على الدول الست، خاصة بعد تعرضها لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة، ما كشف هشاشة الاعتماد الفردي على أنظمة الدفاع.
يفتح هذا السياق الباب أمام بناء منظومة دفاع جوي متكاملة، إلى جانب تنسيق أكبر في صفقات التسليح وتطوير الصناعات الدفاعية المحلية. يقلل هذا التوجه من الاعتماد على الخارج، ويمنح دول الخليج قدرة أكبر على حماية أمنها. في الوقت ذاته، يمكن أن تمتد الشراكات إلى مجالات تكنولوجية مثل أنظمة مواجهة الطائرات المسيّرة.
اقتصاديًا، تبرز الحاجة إلى تعزيز الترابط بين دول الخليج، خاصة بعد أن كشف إغلاق مضيق هرمز أهمية إيجاد بدائل لطرق التجارة. تدعم مشاريع خطوط الأنابيب والسكك الحديدية هذا التوجه، وتساعد على بناء شبكة اقتصادية أكثر مرونة. كما يمكن توظيف تنوع القدرات داخل المجلس، من القوة الاقتصادية السعودية إلى المرونة الدبلوماسية العمانية، في صياغة نموذج تكاملي أكثر قوة.
استمرار الوضع القائم
يشير الواقع السياسي إلى صعوبة تحقيق قفزة كبيرة في التعاون الخليجي. يعكس التاريخ وجود خلافات عميقة بين الدول الأعضاء، تتراوح بين تنافس اقتصادي واختلافات سياسية، ما يحد من فرص بناء منظومة جماعية متماسكة.
في هذا السيناريو، يقتصر التعاون على خطوات محدودة نشأت خلال الحرب، مثل تبادل الموارد الدفاعية أو تحسين التنسيق في أوقات الأزمات. قد تتحسن بعض مجالات البنية التحتية المشتركة، لكن دون الوصول إلى تكامل حقيقي أو قيادة موحدة.
تغذي الحرب مصدرًا جديدًا للخلاف، يتمثل في تحديد المسؤولية عن التصعيد. تميل بعض الدول إلى تحميل إيران المسؤولية، بينما تبدي أطراف أخرى استياءً من السياسات الأمريكية والإسرائيلية. يخلق هذا التباين توترات داخلية، حيث تتبنى كل دولة مقاربة مختلفة في التعامل مع القوى الإقليمية والدولية، ما يحد من فرص التوافق الجماعي.
انقسام خليجي محتمل
يحمل السيناريو الأكثر خطورة احتمال تصاعد الانقسامات داخل الخليج. قد تسعى بعض الدول إلى تبني استراتيجيات منفردة في التعامل مع الصراع، ما يفتح الباب أمام تنافس حاد وتدخلات خارجية.
يتجلى هذا الخطر في التنافس بين القوى الاقتصادية الكبرى مثل السعودية والإمارات، حيث قد تتحول الخلافات إلى صراع على النفوذ الإقليمي. كما يمكن أن يؤدي اختلاف المواقف تجاه إسرائيل إلى تعميق الانقسام، خاصة مع توجه بعض الدول لتعزيز علاقاتها معها، مقابل تحفظ دول أخرى تحت ضغط الرأي العام.
يتوسع هذا التباين مع اختلاف طرق التعامل مع الولايات المتحدة وإيران. تميل بعض الدول إلى التهدئة والانفتاح على طهران، بينما تفضل أخرى التصعيد أو التحالف مع واشنطن وتل أبيب. يخلق هذا التناقض بيئة غير مستقرة، قد تدفع كل دولة إلى البحث عن مصالحها بشكل منفصل، حتى لو تعارضت مع مصالح الجيران.
مستقبل الخليج بين الوحدة والتفكك
يفرض الواقع على دول الخليج التفكير بجدية في مستقبلها المشترك. كلما طال أمد التوتر، زادت صعوبة تحقيق التوافق، وازدادت احتمالات الانقسام. تتباين الرؤى حول موثوقية الولايات المتحدة كحليف، وحول جدوى التقارب مع إيران، ما يعمق الفجوة بين الدول.
يفتح التعاون الحقيقي فرصة لاستعادة زمام المبادرة، حيث يمنح التكتل الخليجي قوة تفاوضية أكبر في مواجهة القوى الكبرى. في المقابل، يؤدي الانقسام إلى إضعاف الموقف الجماعي، ويجعل المنطقة أكثر عرضة للتقلبات.
تعكس هذه السيناريوهات حقيقة واحدة؛ يقف الخليج عند مفترق طرق حاسم. إما أن يتجه نحو تكامل يعزز استقراره، أو ينجرف نحو تنافس يهدد تماسكه.
https://carnegieendowment.org/emissary/2026/04/gulf-states-gcc-iran-war-three-scenarios

